أحمد بن علي القلقشندي

228

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة ؛ وقد كانت العرب الأول في الزمن القديم تتحاشى اللفظ الغريب في نظمها ونثرها ، وتميل إلى السهل وتستعذبه ؛ ويكفي من ذلك كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امريء القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفو عن دم أبيه ، فقال له : « إنك في المحلّ والقدر من المعرفة بتصرّف الدّهر وما تحدثه أيّامه ، وتنتقل به أحواله ، بحيث لا تحتاج إلا تذكير من واعظ ، ولا تبصير من مجرّب ؛ ولك من سؤدد منصبك ، وشرف أعراقك ، وكرم أصلك في العرب محتد يحتمل ما حمّل عليه من إقالة العثرة ورجوع عن الهفوة ؛ ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي ، وبصيرة الفهم ، وكرم الصّفح ، ما يطوّل رغباتها ، ويستغرق طلباتها ، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل ، الذي عمّت رزيّته نزارا واليمن ، ولم تخصص بذلك كندة دوننا للشرف البارع الذي كان لحجر ؛ ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله ، ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه ، ولا يلحق أقصاه أدناه ؛ فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث : إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا ، وأعلاها في بناء المكرمات صوتا ، فقدناه إليك بنسعة ( 1 ) تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته ( 2 ) فنقول : رجل امتحن بهالك عزيز فلم يستلّ سخيمته ( 3 ) إلا تمكينه من الانتقام ؛ أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها ، فهي ألوف تجاوز الحسبة ، فكان ذلك فداء رجعت به القضب ( 4 ) إلى أجفانها ، لم يرددها تسليط الإحن على البرآء ؛ وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوامل فتسدل الأزر وتعقد الخمر فوق الرايات » . فبكى امرؤ القيس ساعة ، ثم رفع رأسه فقال :

--> ( 1 ) النّسع : سير عريض تشدّ به الرحال . والقطعة منه : نسعة ( اللسان : 8 / 352 ) . ( 2 ) القصرة : أصل العنق : ( اللسان : 5 / 101 ) . ( 3 ) السخيمة : الحقد والضغينة ( اللسان : 12 / 282 ) . ( 4 ) مفردها : قضيب ، وهو اللطيف من السيوف . ( اللسان : 1 / 679 ) .